الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
88
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
على وجه اللزوم كان المتبادر منها هو الحال وكان استعمالها في الماضي خروجا عما يقتضيه وضعها ولما كانت أسماء المفعولين مأخوذة على سبيل التعدية في الغالب كان الغالب صدقها مع زوال المبدإ أيضا ولو كانت مأخوذة على وجه اللزوم لم تصدق كذلك كالمحموم والمغموم والموجود والمعدوم ونحوها فإن المقصود بها ما ثبت له صفة الحمى أو الغم والوجود والعدم من غير ملاحظة تعدية تلك الصفة من الغير إليه ولو لوحظ ذلك في وضعها بواسطة الحرف كانت كالأول كالممرورية والمهدي إليه فيتبع صيغة المشتقات واستقراء أقسامها شاهد لما فصلناه ولو وجد هناك بعض الصيغ على خلاف ذلك فيمكن القول بثبوت وضع ثانوي بالنسبة إليه ولا ينافي ذلك ما قررناه إذ الأوضاع النوعية إنما يستفاد من ملاحظة غالب الألفاظ وتتبع معظم الموارد هذا ما يقتضيه ظاهر النظر في المقام وأما ما يقتضيه التحقيق بعد التأمل في المرام أن يقال بكون المشتقات موضوعة بإزاء مفاهيم الصفات المدلول عليها بها فالعالم والقائم والقاعد والأحمر والأصفر ونحوها أسامي للمفهومات المعينة والصفات المعلومة الجارية على الذوات المتحدة معها المحمولة عليها فهي عنوانات لتلك الصفات ومفاهيم يصح التعبير عن تلك الذوات بها من جهة اتحادها معها واندراجها فيها وهذا هو المراد باعتبار الذات المطلقة في تلك الأوصاف فإن المقصود بذلك إجراؤها على الذوات والتعبير على تلك الذوات بها وبالعكس نظرا إلى اتحادها بها إلا أنه قد اعتبر هناك صريح مفهوم الذات جزء من مداليلها حتى يكون مفهوم الضارب هو ذات ثبت له الضرب ومفهوم العالم ذات ثبت له العلم هكذا وإن أمكن التعبير عنها بذلك حيث إنها جارية على تلك الذوات فيقال إن العالم ذات ثبت له العلم كما أنه قد يقال ذلك في الجوامد أيضا فيقال إن الحيوان ذات ثبت له الحسّ والحركة وذلك لا يستدعي كون الذات جزء من مفاهيمها كيف ولو كان كذلك لكانت مفاهيم تلك الألفاظ عبارة عن الموصوف والصفة معا فيكون كل من الأمرين بالتضمن بل وعلى الاتصاف أيضا فيكون مفادها مفاد المركب التام أو الناقص ومن البين خلافها إذ لا يستفاد منها بحسب الوضع إلا معنى واحد ومفهوم وارد وضعي بعنوان لذات متصفة بتلك المبادي غاية الأمر أن يقال بدلالتها على الذات والاتصاف بالالتزام بناء على وضع اللفظ لتلك المفاهيم من حيث كونها جارية على الذوات بخلاف نفس المبادي حيث لم يؤخذ عنوانا للذات ولذا أجريت عليها وإنما وضعت للصفات المباينة لموصوفاتها وأيضا أخذ بظاهر التفسير المذكور كان المشتق اسما لنفس الذات المقيدة بالقيد المفروض على أن يكون القيد خارجا والتقييد داخلا فإن مفاده حينئذ هو الذات المتصفة بالمبدأ لا مجموع الذات واتصافها بالمبدأ ليكون كل من الأمرين جزء مما وضع له فيتخلص وضعه إذن للذات ويكون معناه الحدثي خارجا عن معناه قيدا فيه كما في العمى والبصر ولا ينبغي الريب في فساده ومما يشير إلى ذلك أيضا أنها تقع محمولات على الذوات من غير تكلف وتأويل ومن المقرر أن المأخوذ في جانب الموضوع الذات ومن ( في جهة ) جانب المحمول المفهوم كيف ولو كانت الذات جزء من مفاهيم تلك الصفات لكان في قولك هذا الذات ضارب تكرار الذات فكأنك قلت ذات ثبت له الضرب وهو مع ركاكته بعيد عن فهم العرف كما لا يخفى بعد إمعان النظر فإن قلت إذا لم يكن الذات مأخوذة من مفاهيم تلك الصفات لم يلائم ذلك جعلها موضوعات والحكم عليها لما تقرر من اعتبار الذات في جانب الموضوع مع وقوعها موضوعات من غير تكليف قلت لما كانت تلك المفاهيم جارية على الذوات وعنوان لها صح جعلها موضوعات بذلك الاعتبار ففي قولك العالم كذا قد جعلت العالم عنوانا للذات المعينة وحكمت على تلك الذات المعلومة بذلك العنوان المندرجة فيه بما ذكر في المحمول وهكذا في سائر الأمثلة إذا تقرر ما ذكرناه فنقول إنه إذا أريد التعبير عن الذوات بتلك المفاهيم وجعلها عنوانات لها فلا بد من صدق تلك المفاهيم عليها واندراجها فيها وإلا لم يصح إطلاقها عليها على سبيل الحقيقة إذ ذلك إنما يكون من قبيل إطلاق الكلي على الفرد ولا يعقل ذلك إلا بصدق تلك المفاهيم عليها فإذا حصل ذلك صح التعبير المذكور سواء كانت تلك الذوات مندرجة تحت تلك العنوانات حال التكلم أو لا ففي قولك كل عالم كامل قد حكمت ثبوت الكمال للذات المتصفة بالعلم سواء كان اتصافها به حال تكلم قولك هذا أو قبله أو بعده فالمقصود ثبوت الكمال للذات المتصفة بالعلم لها حين الاندراج في ذلك العنوان فالتعبير المذكور حينئذ مما لا إشكال فيه ولا خروج فيه عن مقتضى الوضع أصلا إذ الحال فيه كالحال في سائر الألفاظ الجامدة الموضوعة للمفاهيم الكلية أو الجزئية وهذا هو المراد بإطلاق المشتق على الذات باعتبار حال التلبس وقد عرفت أنه لا خلاف في كونه حقيقة جاريا على وفق الوضع وأما إذا أردت التعبير عنها عن تلك الذات بملاحظة عدم اندراجها في ذلك العنوان فإن كان ذلك باعتبار ما يحصل من الاندراج بعد ذلك فمن البين حينئذ عدم صحة الإطلاق المذكور على سبيل الحقيقة إذ التعبير المذكور كما عرفت من قبيل إطلاق الكلي على فرده والمفروض أن ما أطلق عليه اللفظ حينئذ ليس من جملة أفراده فلا يكون ذلك المفهوم حاصلا في ضمنه حتى يصح الإطلاق من جهته فلا بد إذن من التصرف في معنى اللفظ بأن يكون من قبيل استعمال اللفظ فيما يؤول إليه حتى يصح إطلاقه على ذلك الفرد فيصير اللفظ بذلك مجازا غير مستعمل في المفهوم الذي وضع له وهذا ما ذكروه من كونه مجازا في المستقبل وقد يجعل ذلك من باب المجاز في العمل كما في الاستعارة على مذهب السكاكي فيكون مجازا عقليا إلا أنه بعيد عن ظاهر الاستعمالات نعم لو قام قرينة على ملاحظته فلا مانع منه وهكذا الحال إذا أطلق المشتق على الذات بملاحظة حصول الاتصاف في الماضي إذا كان المنظور صدق المشتق في الحال من جهة سبق الاتصاف بالمبدأ إذ لا معنى لصحة إطلاق اللفظ عليه على سبيل الحقيقة مع أن المفروض عدم كونه من مصاديقه والقول بكون المفهوم من تلك الألفاظ هو المعنى الأعم الصادق مع بقاء المبدإ وزواله مدفوع ببعد ذلك عن ظاهر تلك الألفاظ لوضوح عدم حصول ذلك المفهوم فيه بعد زوال المبدإ ولذا لا يصح أن يحمل المشتق عليه مع تقييد الحمل بالحال فلا يقال إنه ضارب الآن على أن يكون الآن ظرفا للنسبة ومنع صحة سلبه عنه كذلك كما مرت الإشارة إليه مما لا وجه له كيف ومن البين صحة السلب المذكور بأدنى التفات إلى العرف وهو أقوى شاهد على المجازية